ابن كثير

141

البداية والنهاية

من مملكة هذه المدينة - يعني مدينة باب الأبواب التي هو فيها - ووالله لأنتم أحب إلي اليوم من مملكة آل كسرى ، ولو كنت في سلطانهم وبلغهم خبرها لانتزعوها مني . وأيم الله لا يقوم لكم شئ ما وفيتم ووفى ملككم الأكبر . ثم أقبل عبد الرحمن بن ربيعة على الرسول الذي ذهب على السد فقال : ما حال هذا الردم ؟ - يعني ما صفته - فأشار إلى ثوب في زرقة وحمرة فقال : مثل هذا . فقال رجل لعبد الرحمن : صدق والله لقد نفذ ورأى . فقال : أجل وصف صفة الحديد والصفر . قال الله تعالى * ( آتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله نارا قال آتوني أفرغ عليه قطرا ) * [ الكهف : 96 ] وقد ذكرت صفة السد في التفسير ، وفي أوائل هذا الكتاب . وقد ذكر البخاري في صحيحه تعليقا أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم رأيت السد . فقال : " كيف رأيته " ؟ قال : مثل البرد المحبر رأيته . قالوا : ثم قال عبد الرحمن بن ربيعة لشهربراز : كم كانت هديتك ؟ قال : قيمة مائة ألف في بلادي وثلاثة آلاف ألف في تلك البلدان . بقية من خبر السد أورد شيخنا أبو عبد الله الذهبي الحافظ في هذه السنة ما ذكر صاحب كتاب مسالك الممالك عما أملاه عليه سلام الترجمان ، حين بعثه الواثق بأمر الله بن المعتصم - وكان قد رأى في النوم كأن السد قد فتح - فأرسل سلاما هذا وكتب له إلى الملوك بالوصاة به ، وبعث معه ألفي بغل تحمل طعاما فساروا بين سامرا إلى إسحاق بتفليس ، فكتب لهم إلى صاحب السرير ، وكتب لهم صاحب السرير إلى ملك اللان ، فكتب لهم إلى قبلان شاه ، فكتب لهم إلى ملك الخزر ، فوجه معه خمسة أولاد فساروا ستة وعشرين يوما . انتهوا إلى أرض سواداء منتنة حتى جعلوا يشمون الخل ، فساروا فيها عشرة أيام ، فانتهوا إلى مدائن خراب مدة سبعة وعشرين يوما ، وهي التي كانت يأجوج ومأجوج تطرقها فخربت من ذلك الحين ، وإلى الآن ، ثم انتهوا إلى حصن قريب من السد فوجدوا قوما يعرفون بالعربية وبالفارسية ويحفظون القرآن ، ولهم مكاتب ومساجد ، فجعلوا يعجبون منهم ويسألونهم من أين أقبلوا ، فذكروا لهم أنهم من جهة أمير المؤمنين الواثق فلم يعرفوه بالكلية . ثم انتهوا إلى جبل أملس ليس عليه خضرا وإذا السد هناك من لبن حديد مغيب في نحاس ، وهو مرتفع جدا لا يكاد البصر ينتهي إليه ، وله شرفات من حديد ، وفي وسطه باب عظيم بمصراعين مغلقين ، عرضهما مائة ذراع ، في طول مائة ذراع ، في ثخانة خمسة أذرع ، وعليه قفل طوله سبعة أذرع في غلظ باع - وذكر أشياء كثيرة - وعند ذلك المكان حرس يضربون عند القفل في كل يوم فيسمعون بعد ذلك صوتا عظيما مزعجا ، ويقال : أن وراء هذا الباب حرس وحفظة ، وقريب من هذا الباب حصنان عظيمان بينهما عين ماء عذبة ، وفي إحداهما بقايا العمارة من مغارف ولبن من حديد وغير ذلك ، وإذا طول اللبنة ذراع ونصف في مثله ، في سمك شبر . وذكروا أنهم سألوا أهل تلك البلاد هل رأوا أحدا من يأجوج ومأجوج فأخبروهم أنهم رأوا منهم يوما أشخاصا فوق